مجد الدين ابن الأثير
264
المختار من مناقب الأخيار
( 559 ) شعوانة « * » من عابدات الأبلّة « 1 » . قال أبو عون معاذ بن الفضل : بكت شعوانة حتى خفنا عليها من العمى ، فقلنا لها في ذلك ، فقالت : أعمى - واللّه - في الدنيا من البكاء أحبّ إليّ من أن أعمى في الآخرة من النار . وقال مالك بن ضيغم : كان رجل من أهل الأبلّة يأتي أبي كثيرا ، فيذكر له شعوانة وكثرة بكائها ؛ فقال له أبي يوما : صف بكاءها . فقال : يا أبا مالك « 2 » ما أصف لك ؟ ! هي واللّه تبكي الليل والنهار لا تكاد تفتر . قال : ليس عن هذا أسألك ، إنما أسألك كيف تبتدئ بالبكاء ؟ قال : نعم يا أبا مالك « 2 » ، تسمع الشيء من الذّكر فترى الدّموع تحدّر من جفونها كالقطر . قال : فمجاري الدّموع من المآقي الذي على الأنف أكثر أم من مؤخّر العين ممّا يلي الصّدغ . قال : إنّ دموعها أكثر من أن يعرف هذا من هذا ، ما هي إلّا أن تسمع الذّكر فتجيء عيناها بأربع سجوما متبادرة جدّا ، فبكى أبي وقال : ما أرى الخوف إلّا قد أحرق قلبها كلّه ، ثم قال : كان يقال إنّ كثرة الدّموع وقلّتها على قدر احتراق القلب ، حتى إذا احترق القلب كلّه لم يشأ الحزين أن يبكي إلّا بكى ، والقليل من التذكرة يجزئه .
--> ( * ) ترجمتها في : صفة الصفوة 4 / 53 ، روض الرياحين 257 ( الحكاية 189 ) ، 516 ( الحكاية 475 ) ، البداية والنهاية 10 / 166 ، طبقات الشعراني 1 / 67 ، الكواكب الدرية 1 / 327 ، الدر المنثور 256 . ( 1 ) الأبلّة : بلدة على شاطئ دجلة البصرة ، في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة . معجم البلدان . ( 2 ) في ( ب ) : « يا مالك » .